السيد الطباطبائي
175
تفسير الميزان
من أنفسهم بتوهم القلوب ، الحديث . أقول : قد أوضحنا في ذيل قوله عليه السلام : المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين ( الرواية الثانية من الباب ) أن الانسان إذا اشتغل بآية نفسه وخلا بها عن غيرها انقطع إلى ربه من كل شئ ، وعقب ذلك معرفه ربه معرفة بلا توسيط وسط ، وعلما بلا تسبيب سبب إذ الانقطاع يرفع كل حجاب مضروب ، وعند ذلك يذهل الانسان بمشاهدة ساحة العظمة والكبرياء عن نفسه ، وأحرى بهذه المعرفة أن تسمى معرفة الله بالله . وانكشف له عند ذلك من حقيقة نفسه أنها الفقيرة إلى الله سبحانه المملوكة له ملكا لا تستقل بشئ دونه ، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام : " تعرف نفسك به ، ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك ، وتعلم أن ما فيه له وبه " . وفي هذا المعنى ما رواه المسعودي في إثبات الوصية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال في خطبة له : " فسبحانك ملأت كل شئ وباينت كل شئ فأنت لا يفقدك شئ وأنت الفعال لما تشاء تباركت يا من كل مدرك من خلقه ، وكل محدود من صنعه . - إلى أن قال - سبحانك أي عين تقوم نصب بهاء نورك ، وترقى إلى نور ضياء قدرتك ، وأي فهم يفهم ما دون ذلك إلا أبصار كشفت عنها الأغطية ، وهتكت عنها الحجب العمية ، فرقت أرواحها على أطراف أجنحة الأرواح ، فناجوك في أركانك ، وولجوا بين أنوار بهائك ، ونظروا من مرتقى التربة إلى مستوى كبريائك ، فسماهم أهل الملكوت زوارا ، ودعاهم أهل الجبروت عمارا " . وفي البحار عن إرشاد الديلمي - وذكر بعد ذلك سندين لهذا الحديث - وفيه : " فمن عمل برضائي ألزمه ثلاث خصال : أعرفه شكرا لا يخالطه الجهل وذكرا لا يخالطه النسيان ، ومحبة لا يؤثر على محبتي محبة المخلوقين . فإذا أحبني أحببته ، وأفتح عين قلبه إلى جلالي ، ولا أخفى عليه خاصة خلقي ، وأناجيه في ظلم الليل ونور النهار حتى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم ، وأسمعه كلامي وكلام ملائكتي ، وأعرفه السر الذي سترته عن خلقي ، وألبسه الحياء حتى يستحيى منه الخلق كلهم ، ويمشى على الأرض مغفورا له ، وأجعل قلبه واعيا